Loading translation and audio tools…

Lyden fra den tomme lejlighed

انْتَقَلَتْ نُورُ إِلَى شُقَّتِهَا الْجَدِيدَةِ فِي الطَّابِقِ الثَّالِثِ مِنْ عِمَارَةٍ قَدِيمَةٍ فِي وَسَطِ الْمَدِينَةِ. كَانَتِ الْعِمَارَةُ هَادِئَةً، وَكَانَ الْإِيجَارُ مُنَاسِبًا لِمِيزَانِيَّتِهَا. لَكِنَّ شَيْئًا وَاحِدًا لَفَتَ انْتِبَاهَهَا مُنْذُ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ: الشُّقَّةُ الْمُجَاوِرَةُ، رَقْمُ "٣ب"، كَانَتْ فَارِغَةً تَمَامًا، وَعَلَى بَابِهَا لَافِتَةٌ صَغِيرَةٌ مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا "لِلْإِيجَارِ" مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ عَامٍ.

فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ لَهَا، وَبَيْنَمَا كَانَتْ نُورُ تُرَتِّبُ كُتُبَهَا، سَمِعَتْ صَوْتًا خَافِتًا يَأْتِي مِنَ الْجِدَارِ الْمُشْتَرَكِ: أَنْغَامُ عُودٍ قَدِيمَةٌ، وَأُغْنِيَةٌ حَزِينَةٌ لَمْ تَسْمَعْهَا مِنْ قَبْلُ. نَظَرَتْ إِلَى السَّاعَةِ: كَانَتِ التَّاسِعَةَ تَمَامًا. ظَنَّتْ أَنَّ الصَّوْتَ يَأْتِي مِنْ شُقَّةٍ أُخْرَى، فَلَمْ تُعِرْهُ اهْتِمَامًا كَبِيرًا.

لَكِنَّ الصَّوْتَ عَادَ فِي اللَّيْلَةِ التَّالِيَةِ، وَفِي التَّاسِعَةِ تَمَامًا أَيْضًا. وَفِي اللَّيْلَةِ الَّتِي تَلَتْهَا كَذَلِكَ. الْأُغْنِيَةُ نَفْسُهَا، فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، مِنَ الشُّقَّةِ الْفَارِغَةِ نَفْسِهَا. قَرَّرَتْ نُورُ أَنْ تَسْأَلَ جَارَتَهَا سَارَةَ، الَّتِي تَسْكُنُ فِي الطَّابِقِ نَفْسِهِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ. سَأَلَتْهَا نُورُ: "هَلْ تَعْرِفِينَ إِذَا كَانَ أَحَدٌ يَسْكُنُ فِي الشُّقَّةِ "٣ب"؟". أَجَابَتْ سَارَةُ وَهِيَ تَهُزُّ رَأْسَهَا: "لَا أَحَدَ يَسْكُنُ هُنَاكَ مُنْذُ وَفَاةِ أُمِّ فَادِي، رَحِمَهَا اللهُ. كَانَتِ امْرَأَةً عَجُوزًا طَيِّبَةً، عَاشَتْ فِي تِلْكَ الشُّقَّةِ وَحِيدَةً لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ".

قَالَتْ نُورُ بِقَلَقٍ: "لَكِنِّي أَسْمَعُ مُوسِيقَى تَأْتِي مِنْ هُنَاكَ كُلَّ لَيْلَةٍ، فِي التَّاسِعَةِ بِالضَّبْطِ". تَغَيَّرَ وَجْهُ سَارَةَ فَجْأَةً، وَقَالَتْ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ: "رُبَّمَا يَكُونُ خَيَالَكِ فَقَطْ. حَاوِلِي أَلَّا تُفَكِّرِي فِي الْأَمْرِ كَثِيرًا". لَمْ تَقْتَنِعْ نُورُ بِهَذَا الْجَوَابِ. فَفِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، اقْتَرَبَتْ مِنْ بَابِ الشُّقَّةِ الْفَارِغَةِ وَلَاحَظَتْ شَيْئًا غَرِيبًا: طَبَقَةٌ رَقِيقَةٌ مِنَ الْغُبَارِ تُغَطِّي الْبَابَ، لَكِنَّ آثَارَ أَقْدَامٍ حَدِيثَةٍ كَانَتْ وَاضِحَةً عَلَى الْأَرْضِ أَمَامَهُ.

فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، قَرَّرَتْ نُورُ أَنْ تَبْقَى مُسْتَيْقِظَةً وَتُرَاقِبَ الْبَابَ. عِنْدَ السَّاعَةِ الثَّامِنَةِ وَخَمْسٍ وَخَمْسِينَ دَقِيقَةً، سَمِعَتْ خَطَوَاتٍ بَطِيئَةً فِي الْمَمَرِّ. أَطَلَّتْ بِحَذَرٍ، فَرَأَتْ أَبَا خَالِدٍ، حَارِسَ الْعِمَارَةِ الْعَجُوزَ، يُخْرِجُ مِفْتَاحًا مِنْ جَيْبِهِ وَيَفْتَحُ بَابَ الشُّقَّةِ الْفَارِغَةِ بِهُدُوءٍ، ثُمَّ يَدْخُلُ وَيُغْلِقُ الْبَابَ خَلْفَهُ. لَمْ تُصَدِّقْ نُورُ مَا رَأَتْهُ.

انْتَظَرَتْ قَلِيلًا، ثُمَّ اقْتَرَبَتْ مِنَ الْبَابِ وَطَرَقَتْهُ بِلُطْفٍ. تَوَقَّفَتِ الْمُوسِيقَى فَجْأَةً. بَعْدَ لَحَظَاتٍ، فُتِحَ الْبَابُ، وَظَهَرَ أَبُو خَالِدٍ بِوَجْهٍ مُرْتَبِكٍ. سَأَلَ بِصَوْتٍ مُتَوَتِّرٍ: "نُورُ! مَاذَا تَفْعَلِينَ هُنَا فِي هَذَا الْوَقْتِ؟". قَالَتْ نُورُ: "أَنَا مَنْ يَجِبُ أَنْ يَسْأَلَ، يَا أَبَا خَالِدٍ. لِمَاذَا تَدْخُلُ شُقَّةً فَارِغَةً كُلَّ لَيْلَةٍ؟". نَظَرَ أَبُو خَالِدٍ إِلَى الْأَرْضِ طَوِيلًا، ثُمَّ تَنَهَّدَ وَقَالَ: "تَفَضَّلِي بِالدُّخُولِ، وَسَأُخْبِرُكِ الْحَقِيقَةَ كُلَّهَا".

دَخَلَتْ نُورُ إِلَى الشُّقَّةِ. كَانَتْ نَظِيفَةً وَمُرَتَّبَةً. عَلَى الطَّاوِلَةِ، وَجَدَتْ جِهَازَ تَسْجِيلٍ قَدِيمًا وَشُمُوعًا مُضَاءَةً. قَالَ أَبُو خَالِدٍ بِصَوْتٍ حَزِينٍ: "كَانَتِ السَّيِّدَةُ أُمُّ فَادِي صَدِيقَتِي مُنْذُ عِشْرِينَ عَامًا. كُنْتُ أَزُورُهَا كُلَّ لَيْلَةٍ فِي التَّاسِعَةِ، وَنَسْتَمِعُ مَعًا إِلَى أُغْنِيَتِهَا الْمُفَضَّلَةِ. قَبْلَ أَنْ تَمُوتَ، طَلَبَتْ مِنِّي وَعْدًا: أَلَّا أَتْرُكَ هَذَا التَّقْلِيدَ. لِذَلِكَ، كُلَّ لَيْلَةٍ، أَحْمِلُ مِفْتَاحِيَ السِّرِّيَّ، وَأَدْخُلُ لِأَسْتَمِعَ إِلَى أُغْنِيَتِهَا، حَتَّى لَا أَنْسَاهَا".

شَعَرَتْ نُورُ بِخَجَلٍ شَدِيدٍ لِأَنَّهَا شَكَّتْ فِيهِ. قَالَتْ بِلُطْفٍ: "أَنَا آسِفَةٌ، يَا أَبَا خَالِدٍ. لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ". ابْتَسَمَ أَبُو خَالِدٍ ابْتِسَامَةً حَزِينَةً وَقَالَ: "لَا بَأْسَ، يَا ابْنَتِي. لَمْ أُخْبِرْ أَحَدًا لِأَنَّ صَاحِبَ الْعِمَارَةِ يُرِيدُ تَأْجِيرَ الشُّقَّةِ، وَأَخَافُ أَنْ يَظُنَّ أَنِّي مَجْنُونٌ إِذَا عَرَفَ". بَعْدَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، صَارَتْ نُورُ تَنْضَمُّ أَحْيَانًا إِلَى أَبِي خَالِدٍ لِلِاسْتِمَاعِ إِلَى الْأُغْنِيَةِ الْقَدِيمَةِ. لَمْ يَعُدِ الصَّوْتُ الْغَرِيبُ مَصْدَرَ خَوْفٍ، بَلْ أَصْبَحَ رَمْزًا لِلْوَفَاءِ وَالذِّكْرَى الَّتِي لَا تَمُوتُ.