Loading translation and audio tools…

Η πανούκλα που έσπασε την πολιορκία της Άκρας

فِي رَبِيعِ عَامِ 1799م، وَقَفَ الطَّبِيبُ الْعَسْكَرِيُّ الشَّابُّ "لُوسْيَان" أَمَامَ أَسْوَارِ مَدِينَةِ عَكَّا، وَشَعَرَ بِالتَّعَبِ يَتَسَلَّلُ إِلَى عِظَامِهِ. كَانَ الْجَيْشُ الْفَرَنْسِيُّ يُحَاصِرُ الْمَدِينَةَ مُنْذُ شَهْرَيْنِ، وَلَمْ يَنْجَحِ الْجُنُودُ فِي اقْتِحَامِهَا رَغْمَ كُلِّ الْمُحَاوَلَاتِ. كَانَ "لُوسْيَان" قَدْ وَعَدَ صَدِيقَهُ الْمُقَرَّبَ، الضَّابِطَ "أَنْطْوَان"، بِأَنَّهُ سَيُعِيدُهُ حَيًّا إِلَى فَرَنْسَا لِيَرَى ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ مَرَّةً أُخْرَى. كَانَا صَدِيقَيْنِ مُنْذُ الطُّفُولَةِ، وَقَدْ سَافَرَا مَعًا عَبْرَ مِصْرَ وَسُورِيَّةَ، يَتَشَارَكَانِ الْخُبْزَ وَالْأَحْلَامَ.

لَكِنَّ صَبَاحًا وَاحِدًا، اسْتَيْقَظَ "أَنْطْوَان" وَهُوَ يَرْتَجِفُ مِنَ الْحُمَّى. لَاحَظَ "لُوسْيَان" تَوَرُّمًا غَرِيبًا تَحْتَ إِبْطِهِ، وَشَعَرَ بِقَلْبِهِ يَتَجَمَّدُ. كَانَ يَعْرِفُ ذَلِكَ الْمَرَضَ جَيِّدًا: الطَّاعُونُ. فِي الْأَيَّامِ التَّالِيَةِ، انْتَشَرَ الْمَرَضُ بَيْنَ الْجُنُودِ بِسُرْعَةٍ مُخِيفَةٍ. كَانَتِ الْخِيَامُ تَمْتَلِئُ بِالْمَرْضَى، وَكَانَتِ الْأَصْوَاتُ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْهَا لَيْسَتْ صَرَخَاتِ حَرْبٍ، بَلْ أَنِينَ أَلَمٍ. أَدْرَكَ الْقَائِدُ "نَابُلْيُون" أَنَّ الْوَبَاءَ صَارَ أَخْطَرَ مِنَ الْمُدَافِعِينَ خَلْفَ الْأَسْوَارِ.

جَلَسَ "لُوسْيَان" بِجَانِبِ صَدِيقِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ، يُبَلِّلُ جَبِينَهُ بِالْمَاءِ وَيَتَحَدَّثُ إِلَيْهِ عَنِ ابْنَتِهِ، مُحَاوِلًا أَنْ يُبْقِيَهُ مُتَمَسِّكًا بِالْحَيَاةِ. سَأَلَهُ "أَنْطْوَان" يَوْمًا بِصَوْتٍ ضَعِيفٍ: "هَلْ سَأَمُوتُ هُنَا يَا صَدِيقِي؟" فَأَجَابَهُ "لُوسْيَان"، وَهُوَ يُخْفِي دُمُوعَهُ: "لَا، سَأُعِيدُكَ إِلَى بَيْتِكَ، كَمَا وَعَدْتُ." بَعْدَ أَسَابِيعَ مِنَ الْمُعَانَاةِ، قَرَّرَ "نَابُلْيُون" أَخِيرًا رَفْعَ الْحِصَارِ وَالْعَوْدَةَ إِلَى مِصْرَ.

لَكِنَّ الْأَمْرَ الَّذِي وَصَلَ إِلَى "لُوسْيَان" كَانَ قَاسِيًا: يَجِبُ تَرْكُ الْمَرْضَى الَّذِينَ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْمَشْيَ، لِأَنَّ الْعَرَبَاتِ لَا تَتَّسِعُ لِلْجَمِيعِ، وَلِأَنَّ الْجَيْشَ يَخْشَى أَنْ يَنْقُلَ الْمَرَضَ مَعَهُ. رَفَضَ "لُوسْيَان" أَنْ يَتْرُكَ صَدِيقَهُ. فِي جَنْحِ اللَّيْلِ، حَمَلَهُ عَلَى ظَهْرِ بَغْلٍ صَغِيرٍ، مُتَجَاهِلًا خَطَرَ الْعَدْوَى وَخَطَرَ عِصْيَانِ الْأَوَامِرِ. سَارَ الرَّجُلَانِ وَسَطَ الصَّحْرَاءِ الْحَارَّةِ لِأَيَّامٍ طَوِيلَةٍ، بَيْنَمَا كَانَتْ حَالَةُ "أَنْطْوَان" تَتَأَرْجَحُ بَيْنَ التَّحَسُّنِ وَالِانْتِكَاسِ.

فِي النِّهَايَةِ، وَصَلَا إِلَى السَّفِينَةِ الَّتِي كَانَتْ سَتَحْمِلُهُمَا نَحْوَ فَرَنْسَا. عِنْدَمَا رَأَى "لُوسْيَان" الشِّرَاعَ يَرْتَفِعُ، شَعَرَ بِدُمُوعٍ سَاخِنَةٍ تَنْزِلُ عَلَى وَجْهِهِ، لَيْسَتْ مِنَ الْحُزْنِ هَذِهِ الْمَرَّةَ، بَلْ مِنَ الرَّاحَةِ. نَجَا "أَنْطْوَان"، لَكِنَّ "لُوسْيَان" لَمْ يَنْسَ أَبَدًا أُولَئِكَ الَّذِينَ تُرِكُوا خَلْفَهُمْ فِي الرِّمَالِ، وَلَمْ يَعُودُوا أَبَدًا. أَدْرَكَ حِينَهَا أَنَّ الْمَجْدَ الَّذِي يَبْحَثُ عَنْهُ الْقَادَةُ يُدْفَعُ ثَمَنُهُ أَحْيَانًا مِنْ أَرْوَاحِ أُنَاسٍ بُسَطَاءَ لَا يُذْكَرُ اسْمُهُمْ فِي كُتُبِ التَّارِيخِ.