Loading translation and audio tools…

Melodi Hilang di Konsert Umm Kulthum

فِي لَيْلَةِ الْخَمِيسِ الْأُولَى مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، كَانَتِ الْقَاهِرَةُ كُلُّهَا تَتَوَقَّفُ لِتَسْتَمِعَ إِلَى صَوْتِ أُمِّ كُلْثُومٍ عَبْرَ الرَّادْيُو. فِي ذَلِكَ الْمَسَاءِ مِنْ عَامِ ١٩٦٣، كَانَ الْمَسْرَحُ مُمْتَلِئًا بِالنَّاسِ، وَالْفِرْقَةُ الْمُوسِيقِيَّةُ تَسْتَعِدُّ لِلْعَزْفِ. بَيْنَ أَفْرَادِ الْفِرْقَةِ، كَانَ شَابٌّ اسْمُهُ يُوسُفُ، عَازِفُ الْكَمَانِ الْجَدِيدُ، يَشْعُرُ بِتَوَتُّرٍ شَدِيدٍ. كَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ يَعْزِفُ فِيهَا أَمَامَ أُمِّ كُلْثُومٍ نَفْسِهَا.

قَبْلَ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ بِدَايَةِ الْحَفْلِ، فَتَحَ يُوسُفُ نُوطَتَهُ الْمُوسِيقِيَّةَ لِيُرَاجِعَ الْأُغْنِيَةَ الْأَخِيرَةَ. فَجْأَةً، تَوَقَّفَتْ يَدَاهُ. كَانَتْ صَفْحَةٌ كَامِلَةٌ مِنَ النُّوطَةِ مَفْقُودَةً! فِي تِلْكَ الصَّفْحَةِ، كَانَتْ تُوجَدُ نَغْمَةٌ خَاصَّةٌ، نَغْمَةٌ تَرْبِطُ بَيْنَ جُزْأَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ مِنَ الْأُغْنِيَةِ، وَبِدُونِهَا سَتَبْدُو الْمُوسِيقَى غَرِيبَةً وَغَيْرَ مُتَّصِلَةٍ. نَظَرَ يُوسُفُ حَوْلَهُ بِقَلَقٍ. مَاذَا يَفْعَلُ؟ إِذَا أَخْبَرَ الْمَايِسْتْرُو الْآنَ، فَقَدْ يَغْضَبُ لِأَنَّ الْوَقْتَ ضَيِّقٌ جِدًّا. وَإِذَا سَكَتَ، فَقَدْ يُخْطِئُ فِي أَثْنَاءِ الْعَزْفِ أَمَامَ الْجَمِيعِ.

تَذَكَّرَ يُوسُفُ كَلَامَ وَالِدِهِ: "الصِّدْقُ دَائِمًا أَفْضَلُ مِنَ الْخَوْفِ." فَقَرَّرَ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى الْمَايِسْتْرُو. وَجَدَ الْمَايِسْتْرُو وَاقِفًا بِجَانِبِ الْمَسْرَحِ، يُدَخِّنُ سِيجَارَةً بِعَصَبِيَّةٍ. قَالَ يُوسُفُ بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ: "أُسْتَاذِي، أَنَا آسِفٌ، لَكِنَّ صَفْحَةً مِنْ نُوطَتِي مَفْقُودَةٌ. النَّغْمَةُ الَّتِي تَرْبِطُ بَيْنَ الْمَقْطَعَيْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ عِنْدِي." نَظَرَ الْمَايِسْتْرُو إِلَيْهِ بِدَهْشَةٍ، ثُمَّ قَالَ: "وَلِمَاذَا تَأَخَّرْتَ فِي إِخْبَارِي؟ الْحَفْلُ سَيَبْدَأُ بَعْدَ دَقَائِقَ!"

فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، اقْتَرَبَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُمَا. كَانَتْ أُمَّ كُلْثُومٍ نَفْسِهَا، تَرْتَدِي فُسْتَانَهَا الْأَسْوَدَ الْمُزَيَّنَ، وَتَحْمِلُ مِنْدِيلَهَا الشَّهِيرَ. سَمِعَتِ الْمُحَادَثَةَ وَسَأَلَتْ بِهُدُوءٍ: "مَا الْمُشْكِلَةُ؟" شَرَحَ يُوسُفُ الْمَوْقِفَ بِصَوْتٍ خَائِفٍ، مُتَوَقِّعًا غَضَبَهَا. لَكِنَّهَا ابْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةً هَادِئَةً وَقَالَتْ: "لَا تَقْلَقْ يَا بُنَيَّ. أَنَا أَعْرِفُ تِلْكَ النَّغْمَةَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ. اُنْظُرْ إِلَيَّ فَقَطْ عِنْدَ نِهَايَةِ الْمَقْطَعِ الثَّانِي، وَسَأُرْشِدُكَ بِحَرَكَةِ يَدِي."

شَعَرَ يُوسُفُ بِارْتِيَاحٍ كَبِيرٍ، لَكِنَّ قَلْبَهُ ظَلَّ يَخْفِقُ بِسُرْعَةٍ. بَدَأَ الْحَفْلُ، وَامْتَلَأَ الْمَسْرَحُ بِأَصْوَاتِ التَّصْفِيقِ. غَنَّتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِصَوْتِهَا السَّاحِرِ، وَاقْتَرَبَ الْمَقْطَعُ الثَّانِي مِنْ نِهَايَتِهِ. رَفَعَ يُوسُفُ عَيْنَيْهِ بِتَرَدُّدٍ، فَرَأَى يَدَهَا تَتَحَرَّكُ بِلُطْفٍ، تُشِيرُ إِلَى النَّغْمَةِ الصَّحِيحَةِ. عَزَفَ يُوسُفُ بِثِقَةٍ، وَجَاءَتِ النَّغْمَةُ فِي مَكَانِهَا تَمَامًا، كَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَحْدُثْ. بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَفْلِ، جَاءَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ إِلَى يُوسُفَ وَقَالَتْ: "أَحْسَنْتَ، يَا بُنَيَّ. الْخَطَأُ لَيْسَ عَيْبًا، لَكِنَّ إِخْفَاءَهُ هُوَ الْعَيْبُ الْحَقِيقِيُّ." شَعَرَ يُوسُفُ بِفَخْرٍ عَظِيمٍ، لَيْسَ لِأَنَّهُ عَزَفَ بِشَكْلٍ صَحِيحٍ فَقَطْ، بَلْ لِأَنَّهُ تَعَلَّمَ دَرْسًا لَنْ يَنْسَاهُ أَبَدًا: الشَّجَاعَةُ فِي قَوْلِ الْحَقِيقَةِ هِيَ أَسَاسُ كُلِّ فَنٍّ عَظِيمٍ.