Loading translation and audio tools…

Natten da Bagdads bøker brant

فِي بَغْدَادَ، فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ وَالْخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ لِلْهِجْرَةِ، كَانَ الشَّابُّ يُوسُفُ يَعْمَلُ نَاسِخًا فِي "بَيْتِ الْحِكْمَةِ"، تِلْكَ الْمَكْتَبَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي تَحْتَوِي آلَافَ الْكُتُبِ النَّادِرَةِ. كَانَ مُعَلِّمُهُ، الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمٰنِ، يَقُولُ لَهُ دَائِمًا: "الْكِتَابُ يَا يُوسُفُ أَثْمَنُ مِنَ الذَّهَبِ، لِأَنَّ الذَّهَبَ يَفْنَى وَالْعِلْمَ يَبْقَى."

فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ مِنْ فَصْلِ الشِّتَاءِ، سَمِعَ يُوسُفُ صَوْتَ الطُّبُولِ مِنْ بَعِيدٍ. جَاءَ رَجُلٌ يَرْكُضُ فِي الشَّوَارِعِ يَصْرُخُ: "التَّتَارُ! التَّتَارُ عِنْدَ الْأَسْوَارِ!" شَعَرَ يُوسُفُ بِالْخَوْفِ يَمْلَأُ قَلْبَهُ. دَخَلَ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمٰنِ إِلَى الْغُرْفَةِ وَهُوَ يَحْمِلُ كِتَابًا قَدِيمًا جِدًّا، مُغَلَّفًا بِجِلْدٍ بُنِّيٍّ. قَالَ بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ: "يَا يُوسُفُ، هٰذَا الْكِتَابُ هُوَ نُسْخَةٌ وَحِيدَةٌ مِنْ كِتَابِ الْعَالِمِ ابْنِ سِينَا. إِذَا ضَاعَ هٰذَا الْكِتَابُ، سَيَضِيعُ عِلْمٌ كَامِلٌ إِلَى الْأَبَدِ. أُرِيدُ مِنْكَ أَنْ تَأْخُذَهُ وَتَهْرُبَ بِهِ إِلَى بَيْتِ أَخِي فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ مِنَ النَّهْرِ. عِدْنِي بِأَنَّكَ سَتَحْمِيهِ بِحَيَاتِكَ."

وَعَدَ يُوسُفُ مُعَلِّمَهُ، وَوَضَعَ الْكِتَابَ تَحْتَ ثَوْبِهِ، وَخَرَجَ إِلَى الشَّارِعِ الْمُظْلِمِ. لَٰكِنَّ الْفُرْصَةَ كَانَتْ ضَئِيلَةً، لِأَنَّ الْجَيْشَ الْمَنْغُولِيَّ، بِقِيَادَةِ هُولَاكُو، كَانَ قَدْ دَخَلَ الْمَدِينَةَ بِالْفِعْلِ. رَأَى يُوسُفُ النَّارَ تَحْرِقُ الْبُيُوتَ، وَسَمِعَ صَرَخَاتِ النَّاسِ. وَصَلَ إِلَى النَّهْرِ، فَرَأَى مَشْهَدًا لَنْ يَنْسَاهُ أَبَدًا: كَانَ نَهْرُ دِجْلَةَ أَسْوَدَ اللَّوْنِ، لِأَنَّ الْجُنُودَ رَمَوْا آلَافَ الْكُتُبِ مِنْ بَيْتِ الْحِكْمَةِ فِي الْمَاءِ، حَتَّى صَارَ الْمَاءُ حِبْرًا.

بَقِيَ يُوسُفُ يَبْحَثُ عَنْ قَارِبٍ طَوَالَ اللَّيْلِ. فِي النِّهَايَةِ، وَجَدَ صَيَّادًا عَجُوزًا رَضِيَ أَنْ يَعْبُرَ بِهِ النَّهْرَ. عِنْدَمَا وَصَلَ يُوسُفُ إِلَى الضِّفَّةِ الْأُخْرَى، نَظَرَ إِلَى الْخَلْفِ، فَرَأَى الدُّخَانَ يَرْتَفِعُ فَوْقَ بَيْتِ الْحِكْمَةِ. فَكَّرَ فِي مُعَلِّمِهِ، وَفِي مَصِيرِهِ الْمَجْهُولِ. بَعْدَ أَيَّامٍ، عَلِمَ يُوسُفُ أَنَّ الشَّيْخَ عَبْدُ الرَّحْمٰنِ قُتِلَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ. حَزِنَ يُوسُفُ حُزْنًا عَمِيقًا، لَٰكِنَّهُ فَتَحَ الْكِتَابَ الَّذِي حَمَاهُ، وَقَرَأَ الصَّفْحَةَ الْأُولَى. شَعَرَ فَجْأَةً بِأَنَّ جُزْءًا مِنْ مُعَلِّمِهِ، وَجُزْءًا مِنْ بَغْدَادَ الْقَدِيمَةِ، مَا زَالَ حَيًّا بَيْنَ يَدَيْهِ. فَهِمَ أَنَّ الْكُتُبَ لَا تَمُوتُ، مَا دَامَ هُنَاكَ مَنْ يَحْمِلُهَا وَيَحْمِيهَا.