Loading translation and audio tools…

Chợ الحميدية: Con đường nuốt chửng ánh sáng

وَصَلَتْ لَيْلَى إِلَى دِمَشْقَ فِي صَبَاحٍ خَرِيفِيٍّ بَارِدٍ، تَحْمِلُ فِي حَقِيبَتِهَا رِسَالَةً قَدِيمَةً كَتَبَهَا جَدُّهَا قَبْلَ وَفَاتِهِ بِأَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ. كَانَتِ الرِّسَالَةُ قَصِيرَةً، لَكِنَّ كَلِمَاتِهَا لَمْ تُفَارِقْ ذِهْنَهَا: "اذْهَبِي إِلَى سُوقِ الْحَمِيدِيَّةِ، وَابْحَثِي عَنِ الضَّوْءِ الَّذِي يَبْتَلِعُ الطَّرِيقَ. هُنَاكَ سَتَفْهَمِينَ لِمَاذَا لَمْ أَبِعِ الْمَحَلَّ أَبَدًا." لَمْ تَكُنْ لَيْلَى قَدْ زَارَتْ دِمَشْقَ مُنْذُ عَشْرِ سَنَوَاتٍ، وَكَانَتْ أَمَامَهَا مُهْلَةٌ قَصِيرَةٌ: يَجِبُ أَنْ تُقَرِّرَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِنْ كَانَتْ سَتَبِيعُ مَحَلَّ جَدِّهَا الْقَدِيمَ لِلْعُطُورِ وَالصَّابُونِ، لِأَنَّ مُشْتَرِيًا كَانَ يَنْتَظِرُ رَدَّهَا فِي الْمَسَاءِ.

دَخَلَتِ السُّوقَ مِنَ الْبَوَّابَةِ الْكَبِيرَةِ، وَإِذَا بِهَا تَقِفُ فَجْأَةً وَسَطَ عَالَمٍ آخَرَ. كَانَتِ الْأَصْوَاتُ تَتَدَاخَلُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ: بَاعَةٌ يُنَادُونَ عَلَى الْحَلَوِيَّاتِ، وَحَرَفِيُّونَ يَطْرُقُونَ النُّحَاسَ، وَرَائِحَةُ الصَّابُونِ بِزَيْتِ الْغَارِ تَمْلَأُ الْهَوَاءَ. لَكِنَّ مَا شَدَّ انْتِبَاهَهَا حَقًّا كَانَ السَّقْفُ الْمَعْدِنِيُّ الْعَالِي، الْمَثْقُوبُ بِآلَافِ الثُّقُوبِ الصَّغِيرَةِ، الَّتِي كَانَتْ تُسَرِّبُ خُيُوطًا رَفِيعَةً مِنَ الضَّوْءِ، كَأَنَّهَا نُجُومٌ تَسْقُطُ فِي وَضَحِ النَّهَارِ. تَذَكَّرَتْ حِينَئِذٍ كَلِمَاتِ جَدِّهَا فِي الرِّسَالَةِ، وَشَعَرَتْ بِفُضُولٍ يَخْتَلِطُ بِالْحَيْرَةِ.

وَصَلَتْ أَخِيرًا إِلَى الْمَحَلِّ الصَّغِيرِ الَّذِي وَرِثَتْهُ، وَوَجَدَتْ رَجُلًا عَجُوزًا يَجْلِسُ أَمَامَهُ، يُدَخِّنُ غَلْيُونَهُ بِهُدُوءٍ. قَالَ لَهَا بِابْتِسَامَةٍ: "أَنْتِ حَفِيدَةُ أَبِي خَالِدٍ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ أَنَا أَبُو يُوسُفَ، صَدِيقُهُ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً." جَلَسَتْ لَيْلَى بِجَانِبِهِ، وَسَأَلَتْهُ عَنْ مَعْنَى "الضَّوْءِ الَّذِي يَبْتَلِعُ الطَّرِيقَ". فَابْتَسَمَ أَبُو يُوسُفَ بِحُزْنٍ خَفِيفٍ، وَقَالَ: "فِي زَمَنِ الِاحْتِلَالِ الْفَرَنْسِيِّ، أَطْلَقَ الْجُنُودُ الرَّصَاصَ عَلَى السَّقْفِ لِتَخْوِيفِ النَّاسِ. لَكِنَّ التُّجَّارَ لَمْ يُصْلِحُوا كُلَّ الثُّقُوبِ. تَرَكُوهَا لِتُذَكِّرَهُمْ بِأَنَّهُمْ بَقُوا، رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ. جَدُّكِ كَانَ يَقُولُ إِنَّ هَذَا الضَّوْءَ يَبْتَلِعُ ظُلْمَةَ الطَّرِيقِ، وَيُذَكِّرُنَا بِأَنَّ الْحَيَاةَ تَسْتَمِرُّ."

سَكَتَتْ لَيْلَى لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ قَالَتْ: "لَكِنْ لِمَاذَا كَتَبَ لِي هَذَا بِالذَّاتِ؟" أَجَابَ أَبُو يُوسُفَ: "لِأَنَّهُ بَعْدَ وَفَاةِ جَدَّتِكِ، كَانَ يَأْتِي إِلَى هُنَا كُلَّ يَوْمٍ، وَيَجْلِسُ تَحْتَ هَذِهِ الْخُيُوطِ مِنَ الضَّوْءِ لِسَاعَاتٍ. كَانَ يَقُولُ إِنَّهَا الطَّرِيقَةُ الْوَحِيدَةُ الَّتِي يَشْعُرُ فِيهَا بِأَنَّهُ لَيْسَ وَحِيدًا تَمَامًا." شَعَرَتْ لَيْلَى بِعُقْدَةٍ فِي حَلْقِهَا. لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ هَذِهِ التَّفْصِيلَةَ عَنْ جَدِّهَا. أَدْرَكَتْ فَجْأَةً أَنَّ الْمَحَلَّ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ مَكَانٍ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، بَلْ كَانَ مَلْجَأً لِذِكْرَيَاتٍ كَامِلَةٍ، وَشَاهِدًا عَلَى حُبٍّ لَمْ يَنْتَهِ حَتَّى بَعْدَ الْفِرَاقِ.

أَخْرَجَتْ هَاتِفَهَا وَاتَّصَلَتْ بِالْمُشْتَرِي. بِصَوْتٍ هَادِئٍ وَلَكِنْ حَازِمٍ، قَالَتْ لَهُ: "أَعْتَذِرُ، لَقَدْ غَيَّرْتُ رَأْيِي. لَنْ أَبِيعَ الْمَحَلَّ." بَعْدَ الْمُكَالَمَةِ، جَلَسَتْ لَيْلَى مَكَانَ جَدِّهَا تَمَامًا، تَحْتَ خُيُوطِ الضَّوْءِ الَّتِي كَانَتْ تَتَحَرَّكُ بِبُطْءٍ مَعَ مُرُورِ السَّاعَاتِ. لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ وُصُولِهَا، شَعَرَتْ بِالِارْتِيَاحِ. فَهِمَتْ أَخِيرًا أَنَّ بَعْضَ الْأَمَاكِنِ لَا تُبَاعُ، لِأَنَّهَا تَحْمِلُ فِي دَاخِلِهَا أَشْيَاءَ أَثْمَنَ مِنَ الْمَالِ.