Bức thư đến sau mười năm
B1 · Daily Life
فِي صَبَاحٍ بَارِدٍ مِنْ أَيَّامِ الشِّتَاءِ، وَقَفَتْ سَلْمَى أَمَامَ بَابِ بَيْتِهَا، تَتَفَحَّصُ كَوْمَةً مِنَ الرَّسَائِلِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي وَجَدَهَا سَاعِي الْبَرِيدِ فِي مُسْتَوْدَعٍ مَهْجُورٍ وَأَوْصَلَهَا إِلَى سُكَّانِ الْحَيِّ. كَانَتْ إِحْدَى الرَّسَائِلِ تَحْمِلُ اسْمَهَا بِخَطٍّ مَأْلُوفٍ، لَكِنَّ الطَّابَعَ الْبَرِيدِيَّ عَلَيْهَا يَعُودُ إِلَى عَشْرِ سَنَوَاتٍ مَضَتْ! فَتَحَتِ الرِّسَالَةَ بِيَدَيْنِ مُرْتَجِفَتَيْنِ، وَبَدَأَتْ تَقْرَأُ الْكَلِمَاتِ الْمَكْتُوبَةَ بِحِبْرٍ بَاهِتٍ.
كَانَتِ الرِّسَالَةُ مِنْ صَدِيقَتِهَا الْقَدِيمَةِ رَنَا، الَّتِي انْتَقَلَتْ إِلَى مَدِينَةٍ بَعِيدَةٍ قَبْلَ عَشْرِ سَنَوَاتٍ وَلَمْ تَتَوَاصَلَا مُنْذُ ذَلِكَ الْحِينِ. فِي الرِّسَالَةِ، اعْتَذَرَتْ رَنَا بِصِدْقٍ عَنْ تَصَرُّفٍ سَيِّئٍ حَدَثَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ سَفَرِهَا، وَطَلَبَتْ مِنْ سَلْمَى أَنْ تُسَامِحَهَا وَأَنْ تَبْقَيَا عَلَى تَوَاصُلٍ دَائِمٍ. شَعَرَتْ سَلْمَى بِغُصَّةٍ فِي حَلْقِهَا وَبِالْحُزْنِ الْعَمِيقِ. لَطَالَمَا ظَنَّتْ طَوَالَ هَذِهِ السَّنَوَاتِ أَنَّ رَنَا هِيَ مَنْ قَطَعَتِ الْعَلَاقَةَ بَيْنَهُمَا بِلَا سَبَبٍ، وَأَنَّهَا نَسِيَتْ صَدَاقَتَهُمَا. لَكِنَّ الْحَقِيقَةَ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً تَمَامًا: رَنَا كَتَبَتْ هَذِهِ الرِّسَالَةَ، لَكِنَّهَا ضَاعَتْ فِي مَكْتَبِ الْبَرِيدِ لِسَبَبٍ مَجْهُولٍ.
قَرَّرَتْ سَلْمَى أَنْ تَبْحَثَ عَنْ رَنَا مَهْمَا كَلَّفَ الْأَمْرَ. بَحَثَتْ فِي مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ، وَسَأَلَتْ أَصْدِقَاءَ مُشْتَرَكِينَ، حَتَّى وَجَدَتْ أَخِيرًا رَقْمَ هَاتِفِ رَنَا. اتَّصَلَتْ بِهَا بِقَلْبٍ خَافِقٍ وَأَنْفَاسٍ مُتَسَارِعَةٍ. عِنْدَمَا رَدَّتْ رَنَا، سَادَ صَمْتٌ طَوِيلٌ، ثُمَّ قَالَتْ سَلْمَى بِصَوْتٍ مُتَرَدِّدٍ: "رَنَا؟ مَعَكِ سَلْمَى. لَقَدْ وَصَلَتْنِي رِسَالَتُكِ أَخِيرًا... بَعْدَ عَشْرِ سَنَوَاتٍ." بَكَتْ رَنَا مِنَ الْفَرَحِ وَالدَّهْشَةِ مَعًا. قَالَتْ بِصَوْتٍ مُخْتَنِقٍ: "طَوَالَ هَذِهِ السَّنَوَاتِ، ظَنَنْتُ أَنَّكِ تَجَاهَلْتِنِي عَمْدًا! لِمَاذَا لَمْ تَرُدِّي؟" شَرَحَتْ لَهَا سَلْمَى كُلَّ شَيْءٍ عَنِ الرِّسَالَةِ الضَّائِعَةِ، وَعَنِ الْمُسْتَوْدَعِ الْمَهْجُورِ، وَعَنِ الصُّدْفَةِ الْغَرِيبَةِ الَّتِي جَمَعَتْهُمَا مِنْ جَدِيدٍ.
فِي نِهَايَةِ الْمُكَالَمَةِ، اتَّفَقَتِ الصَّدِيقَتَانِ عَلَى اللِّقَاءِ فِي الْأُسْبُوعِ الْقَادِمِ لِتَعْوِيضِ مَا فَاتَهُمَا. شَعَرَتْ سَلْمَى بِارْتِيَاحٍ عَمِيقٍ، وَكَأَنَّ حِمْلًا ثَقِيلًا سَقَطَ عَنْ كَتِفَيْهَا. أَدْرَكَتْ أَنَّ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ تَسْتَحِقُّ الِانْتِظَارَ، مَهْمَا طَالَ الزَّمَنُ، وَأَنَّ الصَّدَاقَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَا تَمُوتُ أَبَدًا.