Loading translation and audio tools…

Giếng Najran: Ai uống rồi không trở về

فِي نَجْرَانَ، فِي قَلْبِ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ، تُوجَدُ بِئْرٌ قَدِيمَةٌ يَقُولُ النَّاسُ عَنْهَا: "مَنْ يَشْرَبْ مِنْهَا لَا يَعُودُ." لَا أَحَدَ يَعْرِفُ بِالتَّحْدِيدِ مِنْ مَتَى بَدَأَتْ هٰذِهِ الْقِصَّةُ، وَلَكِنَّ الْجَدَّةَ فَاطِمَةَ كَانَتْ تَحْكِيهَا لِكُلِّ مَنْ يَزُورُ قَرْيَتَهَا الصَّغِيرَةَ.

فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ، جَمَعَتْ فَاطِمَةُ أَحْفَادَهَا حَوْلَ النَّارِ وَقَالَتْ: "أُرِيدُ أَنْ أُحَدِّثَكُمْ عَنْ سَالِمٍ، الرَّجُلِ الَّذِي شَرِبَ مِنْ بِئْرِ نَجْرَانَ." كَانَ سَالِمٌ تَاجِرًا يُسَافِرُ بَيْنَ الْمُدُنِ. فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ، ضَلَّ طَرِيقَهُ فِي الصَّحْرَاءِ. سَارَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَا مَاءٍ، حَتَّى شَعَرَ أَنَّ الْمَوْتَ قَرِيبٌ.

وَفَجْأَةً، رَأَى نَخْلَةً صَغِيرَةً، وَتَحْتَهَا بِئْرٌ قَدِيمَةٌ. اقْتَرَبَ مِنْهُ رَجُلٌ عَجُوزٌ كَانَ يَجْلِسُ هُنَاكَ، وَقَالَ لَهُ: "لَا تَشْرَبْ مِنْ هٰذِهِ الْبِئْرِ إِلَّا إِذَا كُنْتَ مُسْتَعِدًّا لِقَبُولِ الْقَاعِدَةِ." سَأَلَهُ سَالِمٌ: "مَا هِيَ الْقَاعِدَةُ؟" أَجَابَ الْعَجُوزُ: "مَنْ يَشْرَبْ مِنْ هٰذِهِ الْبِئْرِ، لَا يَعُودُ إِلَى حَيَاتِهِ الْقَدِيمَةِ أَبَدًا. سَيَبْقَى فِي وَادِي نَجْرَانَ إِلَى الْأَبَدِ."

كَانَ سَالِمٌ يَشْعُرُ بِعَطَشٍ شَدِيدٍ، وَكَانَ يَعْرِفُ أَنَّهُ سَيَمُوتُ إِذَا لَمْ يَشْرَبْ. فَكَّرَ فِي أَهْلِهِ، فِي بَيْتِهِ، فِي الْمَدِينَةِ الَّتِي تَرَكَهَا. لَكِنَّ الْمَوْتَ كَانَ أَقْرَبَ مِنْ كُلِّ تِلْكَ الذِّكْرَيَاتِ. فَشَرِبَ.

فِي الْيَوْمِ التَّالِي، حَاوَلَ أَنْ يَرْحَلَ. سَارَ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي جَاءَ مِنْهُ، وَلَكِنَّهُ وَجَدَ نَفْسَهُ، بَعْدَ سَاعَاتٍ طَوِيلَةٍ، أَمَامَ الْبِئْرِ نَفْسِهَا مِنْ جَدِيدٍ! جَرَّبَ طُرُقًا أُخْرَى، وَلَكِنَّ كُلَّ طَرِيقٍ كَانَ يُعِيدُهُ إِلَى نَفْسِ الْمَكَانِ.

فِي الْبِدَايَةِ، شَعَرَ سَالِمٌ بِغَضَبٍ شَدِيدٍ وَبِخَوْفٍ مِنَ الْمُسْتَقْبَلِ. لَمْ يَفْهَمْ كَيْفَ يُمْكِنُ لِبِئْرٍ أَنْ تَحْبِسَ رَجُلًا فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ. وَلَكِنْ مَعَ مُرُورِ الْأَسَابِيعِ، بَدَأَ يَتَعَرَّفُ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي. سَاعَدُوهُ، وَشَارَكُوهُ طَعَامَهُمْ، وَعَلَّمُوهُ طُرُقَ الزِّرَاعَةِ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ الصَّعْبَةِ.

بَعْدَ سَنَةٍ، تَزَوَّجَ سَالِمٌ مِنِ امْرَأَةٍ مِنَ الْوَادِي، وَبَنَى بَيْتًا، وَأَصْبَحَ جُزْءًا مِنْ تِلْكَ الْأَرْضِ. لَمْ يَعُدْ يُفَكِّرُ فِي الرَّحِيلِ. وَعِنْدَمَا سَأَلَهُ أَحَدُ الْغُرَبَاءِ يَوْمًا: "أَلَا تَنْدَمُ عَلَى شُرْبِ مَاءِ تِلْكَ الْبِئْرِ؟" أَجَابَ سَالِمٌ بِابْتِسَامَةٍ: "فِي الْبِدَايَةِ، كُنْتَ أَظُنُّ أَنَّنِي خَسِرْتُ حَيَاتِي. الْآنَ أَعْرِفُ أَنَّنِي وَجَدْتُ حَيَاةً أُخْرَى، وَرُبَّمَا أَفْضَلَ."

عَادَتْ فَاطِمَةُ إِلَى أَحْفَادِهَا، وَنَظَرَتْ إِلَيْهِمْ بِعُيُونٍ هَادِئَةٍ، وَقَالَتْ: "سَالِمٌ كَانَ جَدِّي الْأَكْبَرَ. وَأَنَا، وَأَنْتُمْ، مِنْ نَسْلِهِ. الْبِئْرُ لَمْ تَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا... بَلْ أَعْطَتْهُ وَطَنًا جَدِيدًا." صَمَتَ الْأَحْفَادُ لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ سَأَلَ أَصْغَرُهُمْ: "وَهَلِ الْبِئْرُ مَوْجُودَةٌ إِلَى الْآنَ؟" اِبْتَسَمَتْ فَاطِمَةُ وَقَالَتْ: "مَنْ يَعْرِفُ؟ رُبَّمَا سَتَجِدُهَا يَوْمًا، إِنْ كَانَ قَلْبُكَ مُسْتَعِدًّا لِقَاعِدَتِهَا."