午夜的亮窗
B1 · Mystery
النَّافِذَةُ الَّتِي تُضَاءُ فِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ. اِنْتَقَلَتْ لَيْلَى إِلَى شَقَّةٍ جَدِيدَةٍ فِي وَسَطِ الْمَدِينَةِ فِي الشَّهْرِ الْمَاضِي. كَانَتْ تَعْمَلُ مُتَرْجِمَةً، وَتُحِبُّ الْهُدُوءَ بَعْدَ يَوْمٍ طَوِيلٍ مِنَ الْعَمَلِ. فِي اللَّيْلَةِ الْأُولَى، وَبَيْنَمَا كَانَتْ تُغْلِقُ السَّتَائِرَ، لَاحَظَتْ شَيْئًا غَرِيبًا: نَافِذَةٌ فِي الْمَبْنَى الْمَهْجُورِ الْمُقَابِلِ تُضَاءُ بِضَوْءٍ خَافِتٍ. نَظَرَتْ إِلَى سَاعَتِهَا: كَانَتْ مُنْتَصَفَ اللَّيْلِ تَمَامًا.
فِي الصَّبَاحِ التَّالِي، سَأَلَتْ جَارَتَهَا فَدْوَى عَنِ الْمَبْنَى. قَالَتْ فَدْوَى: «هَذَا الْمَبْنَى مُغْلَقٌ مُنْذُ سَنَتَيْنِ. لَا كَهْرَبَاءَ فِيهِ وَلَا سُكَّانَ.» ضَحِكَتْ لَيْلَى وَقَالَتْ: «لَكِنَّنِي رَأَيْتُ نُورًا فِي نَافِذَتِهِ اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ!» نَظَرَتْ فَدْوَى إِلَيْهَا بِقَلَقٍ وَقَالَتْ: «رُبَّمَا هُوَ خَيَالٌ، أَوْ رُبَّمَا انْعِكَاسُ ضَوْءٍ مِنْ مَكَانٍ آخَرَ.» لَمْ تَقْتَنِعْ لَيْلَى. فِي اللَّيْلَةِ التَّالِيَةِ، جَلَسَتْ عِنْدَ النَّافِذَةِ تَنْتَظِرُ. عِنْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ تَمَامًا، ظَهَرَ الضَّوْءُ مَرَّةً أُخْرَى، ثَابِتًا وَهَادِئًا، ثُمَّ اخْتَفَى بَعْدَ سَبْعِ دَقَائِقَ بِالضَّبْطِ. شَعَرَتْ لَيْلَى بِقُشَعْرِيرَةٍ، لَيْسَ مِنَ الْخَوْفِ، بَلْ مِنَ الْفُضُولِ. مَنْ يَدْخُلُ مَبْنًى مُغْلَقًا كُلَّ لَيْلَةٍ، فِي نَفْسِ الْوَقْتِ، لِمُدَّةِ سَبْعِ دَقَائِقَ فَقَطْ؟ قَرَّرَتْ أَنْ تَكْتَشِفَ الْحَقِيقَةَ بِنَفْسِهَا.
فِي الْمَسَاءِ التَّالِي، اقْتَرَبَتْ مِنَ الْمَبْنَى. كَانَ الْبَابُ الرَّئِيسِيُّ مُقْفَلًا، لَكِنَّهَا وَجَدَتْ بَابًا جَانِبِيًّا مَفْتُوحًا قَلِيلًا. دَخَلَتْ بِخُطُوَاتٍ حَذِرَةٍ، وَقَلْبُهَا يَخْفِقُ بِسُرْعَةٍ. صَعِدَتِ السُّلَّمَ الْمُظْلِمَ حَتَّى الطَّابِقِ الثَّالِثِ، حَيْثُ رَأَتْ خَيْطًا مِنَ الضَّوْءِ يَخْرُجُ مِنْ تَحْتِ بَابِ إِحْدَى الْغُرَفِ. طَرَقَتِ الْبَابَ بِيَدٍ مُتَرَدِّدَةٍ. فَتَحَهُ رَجُلٌ عَجُوزٌ، بِشَعْرٍ أَبْيَضَ وَعَيْنَيْنِ حَزِينَتَيْنِ.
قَالَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ: «لَمْ أَتَوَقَّعْ زَائِرًا فِي هَذَا الْوَقْتِ.» قَدَّمَتْ لَيْلَى نَفْسَهَا وَسَأَلَتْهُ عَنْ سَبَبِ وُجُودِهِ هُنَا. ابْتَسَمَ الرَّجُلُ ابْتِسَامَةً حَزِينَةً وَدَعَاهَا لِلدُّخُولِ. فِي الْغُرْفَةِ الصَّغِيرَةِ، كَانَتْ شَمْعَةٌ وَاحِدَةٌ تَحْتَرِقُ عَلَى الطَّاوِلَةِ. قَالَ الرَّجُلُ: «اسْمِي أَبُو يُوسُفَ. كُنْتُ أَعْمَلُ قَائِدَ قِطَارٍ لَيْلِيٍّ مُنْذُ ثَلَاثِينَ عَامًا. زَوْجَتِي كَانَتْ تَضَعُ شَمْعَةً فِي هَذِهِ النَّافِذَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ، لِتُخْبِرَنِي أَنَّهَا بِخَيْرٍ وَتَنْتَظِرُ عَوْدَتِي. كُنْتُ أَسْتَطِيعُ رُؤْيَةَ النُّورِ مِنَ مَحَطَّةِ الْقِطَارِ الْبَعِيدَةِ، وَكَانَ يَأْخُذُنِي سَبْعُ دَقَائِقَ لِأَصِلَ إِلَى الْمَنْزِلِ بَعْدَهَا.» سَأَلَتْهُ لَيْلَى بِصَوْتٍ هَادِئٍ: «وَأَيْنَ زَوْجَتُكَ الْآنَ؟» أَجَابَ الرَّجُلُ بِحُزْنٍ: «تُوُفِّيَتْ مُنْذُ ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ. لَكِنَّنِي مَا زِلْتُ أُضِيءُ الشَّمْعَةَ كُلَّ لَيْلَةٍ. أَشْعُرُ أَنَّهَا لَا تَزَالُ تَنْتَظِرُنِي، وَأَنَّنِي لَسْتُ وَحِيدًا تَمَامًا.»
شَعَرَتْ لَيْلَى بِدُمُوعٍ تَقْتَرِبُ مِنْ عَيْنَيْهَا. فَهِمَتْ أَنَّ هَذَا الضَّوْءَ لَمْ يَكُنْ لُغْزًا يَجِبُ حَلُّهُ، بَلْ كَانَ حُبًّا لَمْ يَنْتَهِ بَعْدُ. قَالَتْ لِلرَّجُلِ: «هَلْ تَسْمَحُ لِي بِزِيَارَتِكَ مِنْ وَقْتٍ لِآخَرَ؟ أَنَا جَدِيدَةٌ فِي هَذَا الْحَيِّ، وَلَا أَعْرِفُ أَحَدًا كَثِيرًا.» اِبْتَسَمَ أَبُو يُوسُفَ حَقًّا هَذِهِ الْمَرَّةَ وَقَالَ: «سَتَكُونِينَ مَرْحَبًا بِكِ دَائِمًا.» مُنْذُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، لَمْ تَعُدْ لَيْلَى تَنْظُرُ إِلَى النَّافِذَةِ الْمُضِيئَةِ بِقَلَقٍ. بَلْ تَنْظُرُ إِلَيْهَا كُلَّ مَسَاءٍ وَتَبْتَسِمُ، لِأَنَّهَا تَعْرِفُ الْآنَ أَنَّ بَعْضَ الْأَسْرَارِ لَيْسَتْ مُخِيفَةً، بَلْ جَمِيلَةً، وَتَسْتَحِقُّ أَنْ تُرْوَى.