姑姑二十年后归还的戒指
B1 · Relationships & Drama
فِي ذَلِكَ الْمَسَاءِ، كَانَتْ أُمِّي تُحَضِّرُ الْعَشَاءَ فِي الْمَطْبَخِ عِنْدَمَا رَنَّ جَرَسُ الْبَابِ بِشِدَّةٍ غَرِيبَةٍ. فَتَحْتُ الْبَابَ فَوَجَدْتُ امْرَأَةً كَبِيرَةً فِي السِّنِّ تَقِفُ أَمَامِي، وَعَيْنَاهَا مُمْتَلِئَتَانِ بِالدُّمُوعِ. لَمْ أَتَعَرَّفْ عَلَيْهَا فِي الْبِدَايَةِ، لَكِنَّ مَلَامِحَ وَجْهِهَا كَانَتْ تُشْبِهُ مَلَامِحَ أُمِّي بِشَكْلٍ مُذْهِلٍ. قَالَتِ الْمَرْأَةُ بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ: "هَلْ سَامِيَةُ مَوْجُودَةٌ؟ أَنَا... أَنَا خَالَتُكِ سَلْمَى."
لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّ لِأُمِّي أُخْتًا. لَمْ تَذْكُرْهَا أُمِّي أَبَدًا طَوَالَ حَيَاتِي. نَادَيْتُ أُمِّي بِصَوْتٍ مُرْتَبِكٍ، وَعِنْدَمَا خَرَجَتْ وَرَأَتِ الْمَرْأَةَ، تَجَمَّدَتْ فِي مَكَانِهَا كَأَنَّهَا رَأَتْ شَبَحًا. قَالَتْ أُمِّي بِبُرُودَةٍ: "بَعْدَ عِشْرِينَ عَامًا، تَتَذَكَّرِينَنِي أَخِيرًا؟ لِمَاذَا أَتَيْتِ؟"
مَدَّتْ خَالَتِي سَلْمَى يَدَهَا وَفَتَحَتْ عُلْبَةً صَغِيرَةً. دَاخِلَ الْعُلْبَةِ، كَانَ هُنَاكَ خَاتَمٌ ذَهَبِيٌّ قَدِيمٌ، تَتَوَسَّطُهُ حَجَرَةٌ حَمْرَاءُ صَغِيرَةٌ. قَالَتْ بِصَوْتٍ مَكْسُورٍ: "هَذَا خَاتَمُ زَوَاجِكِ. الَّذِي أَعْطَتْكِ إِيَّاهُ جَدَّتُنَا. أَتَيْتُ لِأُعِيدَهُ إِلَيْكِ."
جَلَسْنَا الثَّلَاثَتُنَا فِي الصَّالَةِ فِي صَمْتٍ ثَقِيلٍ. عَرَفْتُ حِينَئِذٍ الْقِصَّةَ الَّتِي ظَلَّتْ سِرًّا فِي الْعَائِلَةِ لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ: قَبْلَ عِشْرِينَ عَامًا، وَقَبْلَ لَيْلَةِ زِفَافِ أُمِّي بِيَوْمٍ وَاحِدٍ، اخْتَفَى الْخَاتَمُ مِنْ غُرْفَتِهَا. اتَّهَمَتْ أُمِّي أُخْتَهَا سَلْمَى بِسَرِقَتِهِ، لِأَنَّهَا كَانَتِ الشَّخْصَ الْوَحِيدَ الَّذِي دَخَلَ الْغُرْفَةَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ. غَضِبَتِ سَلْمَى مِنَ التُّهْمَةِ، وَرَفَضَتْ أَنْ تُفَسِّرَ شَيْئًا، وَغَادَرَتِ الْبَيْتَ فِي نَفْسِ الْأُسْبُوعِ.
مُنْذُ ذَلِكَ الْوَقْتِ، لَمْ تَتَحَدَّثِ الْأُخْتَانِ مَعَ بَعْضِهِمَا. قَالَتْ أُمِّي، وَصَوْتُهَا يَرْتَفِعُ قَلِيلًا: "أَنْتِ أَخَذْتِهِ حَقًّا! أَنَا كُنْتُ أَعْرِفُ ذَلِكَ!"
هَزَّتْ خَالَتِي سَلْمَى رَأْسَهَا، وَقَالَتْ: "نَعَمْ، أَخَذْتُهُ. لَكِنِّي لَمْ أَسْرِقْهُ لِنَفْسِي. أَبِي كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى عَمَلِيَّةٍ جِرَاحِيَّةٍ عَاجِلَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَنَا مَالٌ كَافٍ. بِعْتُ الْخَاتَمَ لِصَائِغٍ فِي السُّوقِ الْقَدِيمِ لِأَدْفَعَ ثَمَنَ الْعَمَلِيَّةِ. أَرَدْتُ أَنْ أُخْبِرَكِ، لَكِنِّي خِفْتُ مِنْ رَدِّ فِعْلِكِ. وَبَعْدَ ذَلِكَ، شَعَرْتُ بِخَجَلٍ شَدِيدٍ لِأَنَّنِي كَذَبْتُ عَلَيْكِ بِصَمْتِي."
نَظَرَتْ أُمِّي إِلَيْهَا بِذَهُولٍ، وَقَالَتْ بِصَوْتٍ أَخْفَضَ: "كَانَ يُمْكِنُكِ أَنْ تَقُولِي لِي الْحَقِيقَةَ فَقَطْ. كُنْتُ سَأَتَفَهَّمُ الْأَمْرَ."
قَالَتْ خَالَتِي سَلْمَى، وَعَيْنَاهَا تَمْتَلِئَانِ بِالدُّمُوعِ مَرَّةً أُخْرَى: "كُنْتُ صَغِيرَةً، وَخَائِفَةً، وَلَمْ أَعْرِفْ كَيْفَ أَشْرَحُ لَكِ دُونَ أَنْ تَظُنِّي أَنَّ أَبَانَا فِي خَطَرٍ. سَافَرْتُ إِلَى الْخَارِجِ لِلْعَمَلِ، وَادَّخَرْتُ الْمَالَ سَنَةً بَعْدَ سَنَةٍ. الشَّهْرَ الْمَاضِيَ، وَجَدْتُ نَفْسَ الصَّائِغِ، وَاكْتَشَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَبِعِ الْخَاتَمَ لِأَحَدٍ؛ كَانَ يَحْتَفِظُ بِهِ. اشْتَرَيْتُهُ مِنْهُ، وَقَرَّرْتُ أَنْ أُعِيدَهُ إِلَيْكِ بِنَفْسِي، حَتَّى لَوْ رَفَضْتِ أَنْ تَرَيْنِي."
سَكَتَتْ أُمِّي طَوِيلًا. ثُمَّ مَدَّتْ يَدَهَا، وَأَخَذَتِ الْخَاتَمَ مِنَ الْعُلْبَةِ، وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ كَأَنَّهَا تَنْظُرُ إِلَى قِطْعَةٍ مِنَ الْمَاضِي. بَعْدَ لَحَظَاتٍ، قَالَتْ بِهُدُوءٍ: "لَقَدْ ضَيَّعْنَا عِشْرِينَ عَامًا مِنْ حَيَاتِنَا بِسَبَبِ سُوءِ فَهْمٍ." قَامَتْ أُمِّي وَاحْتَضَنَتْ أُخْتَهَا بِقُوَّةٍ. بَكَتَا مَعًا، وَشَعَرْتُ أَنَا أَيْضًا بِالدُّمُوعِ تَنْزِلُ عَلَى وَجْهِي، لَيْسَ حُزْنًا، بَلْ ارْتِيَاحًا. فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، لَمْ نَتَحَدَّثْ كَثِيرًا، لَكِنَّنَا جَلَسْنَا مَعًا حَتَّى الْفَجْرِ، نَسْتَعِيدُ سِنِينَ ضَاعَتْ، وَنَبْنِي مِنْ جَدِيدٍ مَا كَسَرَهُ الصَّمْتُ الطَّوِيلُ.