让全村停摆的摔跤赛
B2 · Sports
فِي قَرْيَةٍ نَائِيَةٍ تَتَوَسَّدُ ضِفَافَ نَهْرِ النِّيلِ الْخَالِدِ، حَيْثُ تَمْتَدُّ حُقُولُ الْقَصَبِ الْخَضْرَاءُ حَتَّى تَعَانِقَ الْأُفُقَ الْبَعِيدَ، كَانَتِ الْأَيَّامُ تَمْضِي بِرَتَابَةٍ مَعْرُوفَةٍ، لَا تَقْطَعُ هُدُوءَهَا إِلَّا مَوْسِمَانِ رَئِيسِيَّانِ: مَوْسِمُ الْحَصَادِ الْوَفِيرِ، وَمَوْسِمُ "الْمُصَارَعَةِ الْكَبِيرَةِ". لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْمُصَارَعَةُ مُجَرَّدَ لُعْبَةٍ رِيَاضِيَّةٍ يَتَبَارَى فِيهَا شَابَّانِ قَوِيَّانِ لِإِظْهَارِ بَأْسِهِمَا، بَلْ كَانَتْ، فِي حَقِيقَتِهَا الْقَاسِيَةِ، امْتِدَادًا لِخِلَافٍ عَتِيقٍ وَمُرِيرٍ بَيْنَ عَائِلَتَيْنِ عَرِيقَتَيْنِ، بَدَأَ فُصُولُهُ قَبْلَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ عَامًا حَوْلَ حِصَّةٍ مَائِيَّةٍ فِي تُرْعَةِ الرَّيِّ، وَتَحَوَّلَ مَعَ مُرُورِ الزَّمَنِ إِلَى إِرْثٍ ثَقِيلٍ يَتَوَارَثُهُ الْأَبْنَاءُ دُونَ أَنْ يَعْرِفُوا سَبَبًا حَقِيقِيًّا لِهَذَا الْعَدَاءِ.
كُلَّ رَبِيعٍ، حِينَ يَنْتَهِي الْحَصَادُ وَتَخْلُو الْحُقُولُ، كَانَ شَابٌّ مِنْ "بَيْتِ السَّيِّدِ" يُصَارِعُ شَابًّا مِنْ "بَيْتِ الْجِنْدِيِّ"، أَمَامَ الْقَرْيَةِ بِأَكْمَلِهَا. فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، تُغْلِقُ الدَّكَاكِينُ أَبْوَابَهَا، وَيَتَوَقَّفُ صَوْتُ السَّاقِيَةِ عَنِ الدَّوَرَانِ، وَتَتَجَمَّعُ النِّسَاءُ عَلَى أَسْطُحِ الْبُيُوتِ لِيُشَاهِدْنَ مَا يَجْرِي فِي السَّاحَةِ الطِّينِيَّةِ الْوَسِيعَةِ بِجِوَارِ الْجَامِعِ الْقَدِيمِ. كَانَ الْجَوُّ مَشْحُونًا بِتَوَتُّرٍ لَا يُخْطِئُهُ أَحَدٌ، حَيْثُ يَتَرَقَّبُ الْجَمِيعُ انْتِصَارَ عَائِلَتِهِمْ كَأَنَّهُ انْتِصَارٌ لِلْكَرَامَةِ.
فِي ذَلِكَ الْعَامِ، كَانَ الْمُنْتَظَرُ أَنْ يَفُوزَ "كَرَمٌ"، ابْنُ بَيْتِ السَّيِّدِ، بِسُهُولَةٍ مُطْلَقَةٍ. كَانَ شَابًّا فِي الْعِشْرِينَ مِنْ عُمْرِهِ، عَرِيضَ الْمَنْكِبَيْنِ، مَفْتُولَ الْعَضَلَاتِ، تَدَرَّبَ طَوَالَ فَصْلِ الشِّتَاءِ عَلَى الرَّمْلِ السَّاخِنِ. أَمَّا خَصْمُهُ، "عَادِلٌ" مِنْ بَيْتِ الْجِنْدِيِّ، فَقَدْ عَادَ لِلتَّوِّ مِنَ الْقَاهِرَةِ، حَيْثُ كَانَ يَعْمَلُ فِي وَرْشَةِ حِدَادَةٍ شَاقَّةٍ، بَعْدَ أَنْ سَمِعَ بِخَبَرِ مَرَضِ وَالِدِهِ الشَّدِيدِ. لَمْ يَتَدَرَّبْ عَادِلٌ مُنْذُ سَنَوَاتٍ، وَكَانَ الْجَمِيعُ يَهْمِسُونَ بِأَنَّهُ سَيَخْسَرُ فِي الدَّقَائِقِ الْأُولَى، وَرُبَّمَا يَتَعَرَّضُ لِإِهَانَةٍ تُضَافُ إِلَى سِجِلِّ عَائِلَتِهِ.
بَدَأَتِ الْمُبَارَاةُ، وَاصْطَفَّ أَهْلُ الْقَرْيَةِ حَوْلَ الدَّائِرَةِ الطِّينِيَّةِ حَتَّى إِنَّ الْأَطْفَالَ تَسَلَّقُوا جُذُوعَ النَّخِيلِ لِيَرَوْا الْمَشْهَدَ. تَبَادَلَ الشَّابَّانِ الضَّرَبَاتِ وَالْقَبَضَاتِ لِدَقَائِقَ طَوِيلَةٍ، وَكَانَ التَّعَبُ وَالْإِرْهَاقُ يَبْدُوَانِ بِوُضُوحٍ عَلَى وَجْهَيْهِمَا. وَفَجْأَةً، وَجَدَ كَرَمٌ نَفْسَهُ فِي وَضْعٍ مُتَمَيِّزٍ، قَادِرًا عَلَى إِسْقَاطِ خَصْمِهِ بِحَرَكَةٍ وَاحِدَةٍ حَاسِمَةٍ تُعْلِنُ نِهَايَةَ الْمُبَارَاةِ.
لَكِنَّهُ تَوَقَّفَ فَجْأَةً. فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، نَظَرَ فِي عَيْنَيْ عَادِلٍ وَرَأَى شَيْئًا لَمْ يَتَوَقَّعْهُ: لَيْسَ خَوْفًا مِنَ الْهَزِيمَةِ، بَلْ إِرْهَاقًا مِنْ نَوْعٍ آخَرَ، إِرْهَاقًا نَابِعًا مِنْ سِنِينَ طَوِيلَةٍ مِنَ الْعَدَاءِ الَّذِي لَمْ يَخْتَرْهُ أَحَدٌ مِنْهُمَا.
قَالَ عَادِلٌ بِصَوْتٍ خَافِتٍ، لَا يَكَادُ يُسْمَعُ وَسْطَ ضَجِيجِ الْجُمْهُورِ: "أَبِي يَحْتَضِرُ يَا كَرَمُ، وَآخِرُ كَلَامٍ قَالَهُ لِي هُوَ أَنَّهُ نَدِمَ عَلَى تِلْكَ التُّرْعَةِ اللَّعِينَةِ الَّتِي فَرَّقَتْنَا." تَوَقَّفَتِ الْحَرَكَةُ تَمَامًا. سَادَ صَمْتٌ غَرِيبٌ وَمُهَيْبٌ فِي السَّاحَةِ، حَتَّى إِنَّ صَوْتَ الرِّيحِ فِي أَوْرَاقِ النَّخِيلِ صَارَ مَسْمُوعًا بِوُضُوحٍ.
لَمْ يُسْقِطْ كَرَمٌ خَصْمَهُ. بَلْ مَدَّ يَدَهُ إِلَيْهِ وَسَاعَدَهُ عَلَى النُّهُوضِ، أَمَامَ أَعْيُنِ الْقَرْيَةِ كُلِّهَا. ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْحُشُودِ الْمُتَسَائِلَةِ وَقَالَ بِصَوْتٍ عَالٍ وَوَاضِحٍ: "لَا مُبَارَاةَ الْعَامَ الْمُقْبِلَ. كَفَى مَا مَضَى." لَمْ يَفْهَمِ الْأَطْفَالُ مَا حَدَثَ، لَكِنَّ الْكِبَارَ، الَّذِينَ عَاشُوا الْخِلَافَ مِنَ الْبِدَايَةِ، شَعَرُوا بِثِقْلٍ كَبِيرٍ يَنْزَاحُ عَنْ صُدُورِهِمْ. بَعْدَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ، تُوُفِّيَ وَالِدُ عَادِلٍ، لَكِنَّهُ رَحَلَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ خِلَافَهُ الْقَدِيمَ قَدِ انْتَهَى، لَا بِانْتِصَارٍ، بَلْ بِمُصَافَحَةٍ شُجَاعَةٍ فِي وَسَطِ سَاحَةٍ طِينِيَّةٍ، أَمَامَ قَرْيَةٍ تَوَقَّفَتْ عَنِ الْعَمَلِ لِتُشَاهِدَ، وَخَرَجَتْ وَقَدْ تَعَلَّمَتْ دَرْسًا فِي التَّسَامُحِ لَمْ تَكُنْ تَتَوَقَّعُهُ.