آخر فلوكة إلى جزيرة سهيل
A2 · Culture & Travel
عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَصَلَتْ مَرْيَمُ إِلَى ضِفَّةِ النِّيلِ فِي أَسْوَانَ. كَانَ مَعَهَا هَاتِفٌ قَدِيمٌ. فِيهِ تَسْجِيلٌ لِصَوْتِ جَدِّهَا. كَانَ عَلَيْهَا أَنْ تُشَغِّلَ التَّسْجِيلَ لِجَدَّتِهَا فِي بَيْتِ الْعَائِلَةِ فِي سُهَيْلٍ. فَجَدَّتُهَا سَتُغَادِرُ الْجَزِيرَةَ فِي الصَّبَاحِ.
قَبْلَ مَوْتِهِ، قَالَ لَهَا جَدُّهَا: «لَا تُرْسِلِي التَّسْجِيلَ فِي رِسَالَةٍ. اِسْمَعِيهِ مَعَ جَدَّتِكِ فِي بَيْتِنَا.» وَعَدَتْهُ مَرْيَمُ بِذَلِكَ.
رَأَتْ مَرْيَمُ فَلُوكَةً بَيْضَاءَ، فَنَادَتْ قَائِدَهَا حَسَنًا: «هَلْ هَذِهِ آخِرُ فَلُوكَةٍ إِلَى سُهَيْلٍ؟» قَالَ حَسَنٌ: «نَعَمْ، وَلَكِنَّ الرِّيحَ ضَعِيفَةٌ. قَدْ نَصِلُ مُتَأَخِّرِينَ.»
رَكِبَتْ مَرْيَمُ. كَانَ مَعَهَا رَجُلٌ مُسِنٌّ، وَامْرَأَةٌ تَحْمِلُ سَلَّةَ خُبْزٍ، وَسَائِحٌ شَابٌّ اِسْمُهُ دَانِيَالُ. سَارَتِ الْفَلُوكَةُ قَلِيلًا، ثُمَّ تَوَقَّفَ الشِّرَاعُ. قَالَ حَسَنٌ: «تَوَقَّفَتِ الرِّيحُ.»
نَظَرَتْ مَرْيَمُ إِلَى هَاتِفِهَا. كَانَتْ بَطَّارِيَّةُ الْهَاتِفِ ضَعِيفَةً جِدًّا. قَالَتْ: «لَنْ يَعْمَلَ الْهَاتِفُ طَوِيلًا!»
سَأَلَهَا الرَّجُلُ الْمُسِنُّ عَنِ التَّسْجِيلِ. وَلَمَّا سَمِعَ قِصَّتَهَا، طَلَبَ أَنْ يَسْمَعَهُ. سَمِعَ الْجَمِيعُ التَّسْجِيلَ مَرَّةً وَاحِدَةً. قَالَ الْجَدُّ فِي التَّسْجِيلِ: «شُكْرًا لِأَنَّكِ جَعَلْتِ الْبَيْتَ وَطَنًا.»
قَالَ الرَّجُلُ: «فِي سُهَيْلٍ، لَا نَحْمِلُ هَمَّنَا وَحْدَنَا. اِحْفَظِي كَلِمَاتِ جَدِّكِ، وَقُولِيهَا لِجَدَّتِكِ.» سَاعَدَتْهَا الْمَرْأَةُ، وَحَاوَلَ دَانِيَالُ أَيْضًا أَنْ يَحْفَظَهَا. كَرَّرَ الْجَمِيعُ كَلِمَاتِ التَّسْجِيلِ مَعًا حَتَّى حَفِظَتْهَا مَرْيَمُ.
بَعْدَ دَقَائِقَ، عَادَتِ الرِّيحُ، فَوَصَلُوا إِلَى سُهَيْلٍ. كَانَ الْهَاتِفُ قَدْ تَوَقَّفَ. رَكَضَتْ مَرْيَمُ إِلَى بَيْتِ جَدَّتِهَا. كَانَتِ الْجَدَّةُ تَنْتَظِرُهَا أَمَامَ الْبَابِ الْأَزْرَقِ.
جَلَسَتْ مَرْيَمُ بِجَانِبِهَا، وَرَدَّدَتْ لَهَا كَلِمَاتِ جَدِّهَا كُلَّهَا. بَكَتِ الْجَدَّةُ، ثُمَّ اِبْتَسَمَتْ وَقَالَتْ: «صَوْتُهُ الْآنَ مَعَنَا.» فَهِمَتْ مَرْيَمُ أَنَّ بَعْضَ الْكَلِمَاتِ تَحْتَاجُ إِلَى وَقْتٍ وَأَشْخَاصٍ يَحْمِلُونَهَا مَعًا.